أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
21
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و شَيْئاً : إمّا منصوب على المفعول به ، وقد تقدّم تأويله ، وإمّا على المصدرية أي : شيئا من الإغناء . قوله : وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ هذه الجملة تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون مستأنفة . والثاني : أن تكون منسوقة على خبر إن ، و « هُمْ » يحتمل الابتداء والفصل . وقرأ العامة : « وَقُودُ » بفتح الواو ، والحسن بضمّها ، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة وأنّ المصدرية محتملة في المفتوح الواو أيضا ، وحيث كان مصدرا فلا بد من تأويله فلا حاجة إلى إعادته هنا . قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ : في هذه الكاف وجهان : أحدهما : أنها في محلّ رفع خبرا لمبتدأ مضمر تقديره : دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون ، وبه بدأ الزمخشري وابن عطية . والثاني : أنها في محلّ نصب وفي الناصب لها تسعة أقوال : أحدهما : أنها نعت لمصدر محذوف ، والعامل فيه « كفروا » تقديره : « إنّ الذين كفروا كفرا كدأب آل فرعون » ، أي : كعادتهم في الكفر ، وهو رأي الفراء . وهذا القول مردود بأنه قد أخبر عن الموصول قبل تمام صلته ، فلزم الفصل بين أبعاض الصلة بالأجنبي ، وهو لا يجوز . والثاني : أنه منصوب بكفروا ، لكن مقدّرا لدلالة هذا الملفوظ به عليه . الثالث : أن الناصب مقدّر مدلول عليه بقوله : « لن تغني » أي بطل انتفاعهم بالأموال والأولاد كعادة آل فرعون ، في ذلك . الرابع : أنه منصوب بلفظ « وَقُودُ » أي : توقد النار بهم كما توقد بآل فرعون ، كما تقول : « إنك لتظلم الناس كدأب أبيك » تريد : كظلم أبيك ، قاله الزمخشري . وفيه نظر لأن الوقود على القراءة المشهورة الأظهر فيه أنه اسم لما يوقد به ، وإذا كان اسما فلا عمل له . فإن قيل : إنه مصدر أو على قراءة الحسن صحّ . الخامس : أنه منصوب بنفس « لَنْ تُغْنِيَ » أي : لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك ، ذكره الزمخشري ، وضعّفه الشيخ « 1 » بلزوم الفصل بين العامل ومعموله بالجملة التي هي قوله : « وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ » ، قال : « على أيّ التقديرين اللذين قدّرناهما فيها من أن تكون معطوفة على خبر « إِنَّ » أو على الجملة المؤكّدة بإنّ » قال : « فإن جعلتها اعتراضية - وهو بعيد - جاز ما قاله الزمخشري » . السادس : أن يكون العامل فيها مقدرا مدلولا عليه بلفظ الوقود تقديره : يوقد بهم كعادة آل فرعون ، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق ، قاله ابن عطية . السابع : أنّ العامل « يعذّبون » كعادة آل فرعون ، يدلّ عليه سياق الكلام .
--> ( 1 ) انظر آية رقم ( 24 ) .